المنجي بوسنينة
237
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
ألقى عليه من ناحية أخرى فقيه مصر أبو إسحاق بن شعبان عشر مسائل ، أصاب أبو العبّاس في تسع منها وأخطأ في واحدة . ويقال إنّه كان مصيبا فيها بما أنّها كانت محلّ خلاف . وقد شهد له ابن شعبان بالعلم فقال فيه : « ما يزال بالمغرب علم ما دام فيه أبو العبّاس » . وقال فيه أيضا : « لا يزال أهل المغرب بخير ما دام بين أظهرهم ، وما جاز النيل منذ خمسين سنة أعلم منه » . ورغم ما ذكره القاضي عياض حول قلّة عناية أبي العبّاس بالإفتاء ، فقد وصفه « بعضهم » بأنّه « علّام إفريقيّة غير مدافع » . وشهد أبو حفص بن عمرون أيضا بأنّه « ما رأى مثل أبي العبّاس في الفقه » . أمّا ابن أبي زيد فكان « إذا نزلت به نازلة مشكلة كتب إليه يبيّنها له » . في هذا الإطار يتنزّل قول « بعضهم » في أبي العبّاس : « كان من شيوخ أهل العلم وحافظ مذهب مالك » . بل يبدو أنّ عنايته بالفقه جعلته يتغاضى عن الاهتمام بالحديث النّبوي مثلا . فقد قال أبو العبّاس لأشهر محدّثي إفريقيّة نعني مالك بن عيسى القفصي : « حدّثني ولا تحدّثني إلّا بما يوافق مذهبي » . فعطف مالك على النّاس وقال لهم : « هذا رجل لا يحبّ أن يكون عالما » . وبالمقابل أظهر أبو العبّاس عناية فائقة بالقرآن الكريم . فقد « كان يقرأ السّبع كلّ يوم ، وما استكمل حفظ القرآن إلّا وهو ابن سبعين سنة » . توسّع شهرة أبي العبّاس غربا وشرقا ، جعل الخليفة الفاطمي المنصور ، وربّما المعزّ لدين اللّه الفاطمي ، يدعوه ليتولّى منصب القضاء . في هذا الإطار يمكن أن نسوق ما ذكره البكري حول مدينة تونس . فهي « دار علم وفقه ، ولي منها قضاء إفريقيّة جماعة كثيرة » . فقد ولّي أبو كريب جميل بن كريب ، عالم مدينة تونس ، قضاء القيروان في عهد عبد الرّحمان بن حبيب ، كما ارتقى إلى نفس المنصب العلاء بن عقبة في عهد روح بن حاتم . أمّا أبو العبّاس الإبياني فقد رفض ذلك المنصب ، على الأقلّ لسببين : الاختلاف المذهبي بين السنّيين والإسماعيليّين الفاطميّين والعداوة الّتي كانت قائمة آنذاك بين الطّرفين ، وميل أبي العبّاس إلى الانزواء . فهو « شيخ من أهل الصّيانة والانقباض » . فيما ذكر الخشني . فقد فضّل العيش في قرية دون العيش في عاصمة إفريقيّة ، مكتفيا في ذلك بالتّردّد على مدينة تونس . وهنا تبرز شخصيّة أبي العبّاس المتزهّدة والمتواضعة . فهو لم يرو أخبار علماء المالكيّة فحسب ، بل اهتمّ أيضا برواية أخبار الزهّاد ، بحكم معاشرته لهم وتردّده عليهم بالرّباطات . فقد كان يبجّل أبا إبراهيم بن العربي عبد اللّه بن أبي المهزول المتعبّد ( ت 339 ه / 950 م ) الّذي كان يسكن مرسى الياقوتة بناحية بنزرت . كان كذلك « يكبر » عطيّة الجزري العابد ( ت 351 ه / 962 م ) ، ولا يخفي شدّة تأثّره به ، كما كان يدافع عنه . كانت له من ناحية أخرى « فراسة تكاد لا تخطئ » . ويذكر أنّه قرأ لأبي الحسن القابسي وهو يطلب عليه : « واللّه لتضربن إليه آباط الإبل من أقصى المغرب » « فكان كما قال » . ووصف القاضي عياض أبا العبّاس أيضا بأنّه « كان كثير التّواضع » . فعندما سئل عن فقيهين من أصحابه وتلاميذه ، وهما أبو القاسم بن زيد وسعيد بن ميمون ، أيّهما أفقه ؟ قال :